|
| |
المفكر نصر عارف يكتب عن ثقافة العمل والنهوض الحضاري للأمة
 إن أول قوانين التاريخ أن الأمم تنهض بالعمل والمثابرة عليه وتتراجع ثم تنهار عندما تستبدل به الترف والدعة والاعتماد على الغير. والعمل ليس مجرد مفهوم أو شعار او كلمة وإنما هو أساس لمنظومة قيمية كاملة تشكل الوعي وتطبعه بصفات معينة وتحدد مفردات الثقافة بل إنها تعيد صياغة البرنامج اليومي للإنسان الذي هو أخطر وأهم مكونات ثقافته، وتربية الأمم على ثقافة العمل عملية معقدة غاية التعقيد تحتاج إلى تضافر منظومات اجتماعية وسياسية وتنظيمية وثقافية وتعليمية متعددة لأن هذا الأمر يحتاج إلى إعادة بناء شاملة لثقافة مستقرة وراسخة ومتشعبة تنظمها مكونات ومفردات وسلوكيات قد تناقض ثقافة العمل وتنتقص منها. وفي هذا السياق سوف نركز على أهم الوسائل التي يمكن من خلالها إعادة إدماج ثقافة العمل وقيمه في النظم الثقافية الراسخة للشعوب الإسلامية وذلك على النحو التالي:
أولاً: القيام بعملية غربلة وتصفية شاملة للثقافة الإسلامية المتوارثة لفرز القيم الدافعة للعمل والإنجاز وما يتعلق بهما في قيم وسلوكيات واتجاهات واستبعاد تلك القيم السلوكيات التي تعيق ثقافة العمل أو تنتقص منها أو نضعها. ويتم ذلك من خلال عمل علمي يقوم به فريق بحثي متعدد التخصصات والخبرات ينكب على إعداد دستور العمل في الثقافة الإسلامية والذي يمكن أن يساعد علي مواجهة القيم المضادة للعمل وللإنجاز، لأنها الأكثر خطورة في هذا الصدد فيما لم يتم تخلية العقول والنفوس من قيم الاتكالية والفردية والانتهازية والترف والدعة والرغبة في الكسب السهل اليسير، والقناعة السلبية التي تؤدي إلى عدم الإنجاز، واحتكار العمل اليدوي...إلخ.
وما لم يتم تصفية هذه القيم وإخراجها من الثقافة العامة للمجتمع فلن يكون ممكنًا بعد ذلك ادماج القيم الإيجابية في الثقافة لأن القاعدة تقول إن "التخلية قبل التحلية" فقبل أن نضيف الأفضل يجب أن نزيل الفاسد.
ثانيًا: العمل على ادماج القيم الدافعة إلى العمل في النظم التعليمية خصوصًا ما قبل الجامعية أي التعليم الابتدائي والمتوسط والثانوي وذلك بطرق ووسائل حديثة مبتكرة لا تقوم على الوعظ المباشر أو الخطاب الإرشادي التقليدي وإنما تعتمد وسائل غير مباشرة توظف القصة والصورة وتدفع المتعلم إلى الاكتشاف والتنبؤ والتواصل إلى النتيجة المرجوة بعملية عقلية يقوده هو بنفسه لنفسه، ومن ثم فلن يكون لقيم العمل وثقافته موضع محدد في المنهج الدراسي وإنما ستكون جميع المناهج والمواد الدراسية ابتداءً في اللغة والدين إلي الرياضة والعلوم مرورا بالدراسات الاجتماعية والفنية، جميعها مستوعبة لهذه القيم وستقوم بادماجها في ثقافة النشء وتربيتهم عليها منذ نعومة أظافرهم، وهنا يجب أن نستفيد من تجارب دول ومجتمعات أخرى مثل ألمانيا، واليابان، وكوريا الجنوبية وغيرها.ونعرف كيف استطاعت هذه الدول أن تربي شعوبها تربية تقوم على احترام قيم العمل والترغيب فيها وجعله مصدرًا للمتعة الحياتية ومجالاً لتحقيق الذات الإنسانية وحصولها على السعادة والطمأنينة في الحياة.
ثالثًا: تفعيل دور وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري ابتداء من التلفزيون الصحيفة والراديو وانتهاءً بخطبة الجمعة. وذلك من خلال تطوير وسائل جذابة وتشويقية ترغب المجتمع في العمل وقيمة وتدفعه لترك القيم المضادة لقيم العمل والتخلي عنها. ويحتاج هذا الأمر إلى حملات إعلامية وإعلانية بل قد يحتاج إلى تخصيص عام يطلق عليه "عام العمل" على أن يكون مقدمة أساسية للنهوض وتحريك الهمم وتحفيز الناس ودفعهم للالتفاف إلى ما قد تركوه وراء ظهورهم وانشغلوا بغيره من قيم وسلوكيات واتجاهات إيجابية دافعة للعمل والإنجاز.
رابعًا: تفعيل دور النقابات والاتحادات المهنية والنوادي في ترسيخ نوعية معينة من قيم العمل مثل: فكرة روح الفريق أو العمل الجماعي، وفكرة التميز والإنجاز المنفرد، وأفكار التطوير المستمر والاتقان والكفاءة....إلخ وذلك من خلال عقد دورات تدريبية وورش عمل على مستويات مختلفة للقيادات المهنية على أن تقوم تلك القيادات بتدريب الصف التالي وهكذا أي أن يعتمد أسلوب "تدريب المدربين" حتى يتم الوصول إلى قاعدة الهرم العمال ليكون العامل نفسه قدوة ونموذجًا للمجتمع يدفعه للاقتداء به وتمثله في حياته.
خامسًا: تأسيس موقع على الشبكة الدولية للمعلومات لنشر قيم العمل والتدريب عليها وإثارة النقاش حولها وذلك لتحويل هذه القيم إلى مادة للبحث والنقاش ومما تم تصير جزءًا في ثقافة الأمة.
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
|
|
|
|
|