|
| |
الدكتور سمير بودينار يكتب عن " التحديات الراهنة للأمـــــن المجتمعي"
{وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ } الأعراف10 يمكن ملاحظة ما تعرفه حركة الاقتصاد العالمي اليوم من تسارع في استحداث بنى جديدة للإنتاج، لا تولي الأهمية المركزية للإنسان، ولا تحرص على وضعه بصفته أساس و أول شروط التنمية الدائمة وأهم أهدافها، كما لا تتصالح مع مصادرها و البيئة الضرورية لنجاحها واستمرارها.
إن الواقع الاقتصادي الدولي المتجه إلى تكتلات مؤسسات الإنتاج، سعيا إلى تقليص تكلفته و زيادة القدرة على ولوج حلبة التنافس المحموم على الربح، ليمثل تحديا عالميا أمام فئات كبيرة من البشر، إذ يهدد فرص شغل حالية و مستقبلية لآلاف العمال.
لقد دلت التجربة الاقتصادية في عالم العقد الأخير – عقد ما بعد الحرب الباردة و عولمة الاقتصاد- أن مسار الاقتصاديات الجديدة، و "الرأسمالية النفاثة" و الجديدة، يبدو غير قادر على بلوغ مقصد "التنمية المستدامة"، التي لا تتحقق إلا في ظل حد أدنى من التضامن بين أطراف معادلة الإنتاج الاقتصادي، كما بين الفرقاء الاجتماعيين، بل بين الأجيال المتعاقبة ذات الحق في الاستفادة من خيرا ت العالم الذي يحتفظ بالمعايش للجميع، على قاعدة استفراغ الوسع و بذل الجهد أي: "عالم المعايش بفلسفة العمل".
إن ثمة مؤشرات مقلقة خاصة بالسياسات الاجتماعية وناجمة أساسا عن:
1. الاختلال في العلاقة بين الدولة و الفاعل الاقتصادي عبر القومي "الشركات المتعددة الجنسية" بما يعبر عن اختلال بين منظور وطني يحرص على الثروات الوطنية وتنميتها، و ينشد العدالة في توزيع عائدها، وبين منظور "عالمي" قائم على الربحية، من خلال التوسع غير المحكوم برؤية إنسانية في مجالات و إمكانات الربح، بما فيها تلك الخالصة لجهد العمل في المجتمعات المحلية.
2.تراجع أولوية الاقتصاد الوطني بوصفه السند المادي للحكومات الوطنية، وارتهانه للاستثمار الأجنبي من خلال تراجع مساحة التدخل، لضبط التناقض الجزئي في اتجاهات المصالح ، بفعل الفقدان التدريجي للقدرة على اتخاذ القرار بله المبادرة، ما أضحى يهدد بشكل مباشر الأمن الاقتصادي-والاجتماعي بالتالي-لهذه الحكومات و لشعوبها كذلك .
3.تنامي ظاهرة تحول الرساميل الوطنية إلى جزء من الاستثمارات الفوق الوطنية(العابرة للحدود) غير المواطنة وذات الحساسية المفرطة تجاه الالتزام الاجتماعي و النقابي.
4.الآفاق غير الواضحة، والمقلقة لامتداد سوق الشغل بشكل طبيعي يستوعب طاقة العمل، سواء بسبب تقليد التسريح الجماعي للعمال من المؤسسات الاقتصادية المندمجة و المخصخصة، أو من خلال تسارع وتيرة المكننة غير القاصدة، مما يجعل المقابل الاجتماعي لخفض التكلفة الاقتصادية باهضا للغاية.
5 . تحول مصدر تشريع أنظمة العمل من الدولة ذات الشركاء الاقتراحيين (أهمهم التنظيمات النقابية)،
إلى الفاعل الاقتصادي عبر القومي غير الملتزم تجاه أي شريك اجتماعي، باستثناء بنيته الاقتصادية الخاصة الضامنة لاستمرار و استقرار مستويات الأرباح.
6. التشغيل الاستغلالي للقاصرين و الأطفال نتيجة للوضعية الاقتصادية العالمية المتسمة باطراد التوسع مع عدم التكافؤ، بوصفه ليس فقط اعتداء على حقوق هؤلاء الأساسية، بل تهديدا للأمن المستقبلي لمجتمعاتهم كذلك،بحرمانها من طاقة العمل المستقبلية الكفؤة و المؤهلة.
7. الاضطرابات الداخلية المانعة من الاستقرار وبالتالي الازدهار في كثير من دول عالمنا اليوم، التي و إن لم تكن الاختلالات الاجتماعية سببها دائما، فهي بالتأكيد نتيجة مستمرة لها. و لهذا فإن الاتحاد الإسلامي الدولي للعمل سعى في توجهاته العامة، كما في مؤتمراته المتتابعة إلى تحقيق الأهداف التالية:
1 . إقرار نظام اقتصادي يمد الإنسانية بتصور جديد لمجتمع يرتكز على الإيثار، ولا يقتصر قياس النجاح داخله على معايير المكاسب المادية.
2 . إعطاء الأهمية للعوامل الاجتماعية والثقافية والدينية، سواء عند القيام باختيار السياسات التنموية أو اختيار أساليب تنفيذها.
3 . الاستفادة مما يقدمه الإسلام من إعانة كبرى لصياغة نظام عالمي يرتكز على العدالة، باعتبارها قيمة جوهرية لدى الأديان كافة والدين الإسلامي على وجه الخصوص.
4 . ربط التنمية بمصلحة الإنسان وبالارتقاء به فكريا وثقافيا وصحيا، وبإعداد الإنسان روحيا وفنيا ومهنيا: ليس باعتباره عنصراً من عناصر الإنتاج، وإنما باعتبار أنّ تحقيق مصالحه كإنسان: هو المقصد من عملية الإنتاج بِرُمتِّها.
5 . الحرص على استمرار الاتحاد في تأصيل البحث في مجال الأجور وتحديثه، على اعتبار كون الأجر العادل هو محور عملية تحقيق التوازن بين الحق والواجب في علاقة العمال بأرباب العمل.
إن كثيرا من آثار الأوضاع المشار إليها سالفا، قد بدت جلية على أمن المجتمعات المختلفة في عالمنا، إن على مستوى سلامها الاجتماعي أو على استقرارها الداخلي،مما يؤكد على أهمية عدد من التوجهات المستقبلية الحاسمة لتدارك الخلل في تلك المجالات، من قبيل :
1.عدم الرهان على حتمية الحل الرأسمالي الليبرالي في مجال الاقتصاد الاجتماعي خصوصا،وذلك لما يحمله هو نفسه من المخاطر ذات البعد المستقبلي، ممثلة في تهديده للأساس الوجودي له وهو الدولة المتماسكة،
و الاستقرار الاجتماعي، ومن ثم السياسي، عبر تآكل القاعدة الاجتماعية للدولة من خلال تحكمه في مصائر المنتجين المحليين والعمال والمستهلكين على السواء.
2. مراجعة معايير التنافسية الاقتصادية العالمية التي حولت العامل إلى كبش فداء للحفاظ عليها، سواء بالنسبة للدولة،أو حتى بالنسبة لبعض المؤسسات النقابية.
3.التنويه بالرأسمال المواطن الذي لازال يتحدى النموذج اللاجتماعي"للتنمية" من خلال رهانه على بنية إنتاج و اقتصاد وطني قوي قادر على بناء الشراكة الاقتصادية العالمية على أسس صحيحة، و إنجاز التنمية الدائمة و القادرة على الصمود.
4.إعادة الاعتبار للاقتصاد الاجتماعي القائم على فكرة "الاكتفاء" لقدرته على توظيف الإمكانات المختلفة مهما كانت صغيرة (نموذج الملكيات الصغرى في البوادي والمدن)، ووسائل إنتاجها الأولية، و استثمار الطاقة العاملة (قوة العمل الذاتية و المحلية)،و تحقيق الأمن الاستراتيجي مجتمعيا (الأمن الغدائي، و الاكتفاء الاستهلاكي، و تنمية الادخار الصغير)،مع استلهام الحكمة الإسلامية البليغة في هذا المجال التي أوجبت الزكاة في المجففات من الأطعمة (التمر،الزبيب،الأقط..) صيانة للأمن الغدائي للجماعة، وفق مقصدية الاكتفاء.
5. إبراز الخصائص الاقتصادية و الاجتماعية لمجتمع الادخار ، الذي يعتبر العمل القيمة الإنتاجية المركزية
في تحصيل الثروة (نموذج القيمة الاقتصادية للعمل في صيغ الشراكة الفلاحية)، والذي يمكن من إعادة استثمارها و تنميتها ،بديلا عن مجتمع الاستهلاك.
6.الاهتمام بالمبادرات الاقتصادية المحلية الصغرى و المتوسطة، ذات التمويل التعاوني، وخاصة في مجال الصناعات و الحرف المحلية التي تشغل- ويمكنها أن تظل كذلك-ملايين العمال ،على اعتبار ميزاتها التنافسية النابعة من خصوصياتها المحلية،و تحقيقها مصدرا قارا للدخل لأعداد كبيرة من الناس، وتوزيعا متوازنا ومعتدلا لإنتاج الثروات، والمساهمة في رسم خريطة إنتاج اقتصادي عالمي تتسم بالعدل، و بالتالي قدرتها على تحدي الآثار الضارة للعولمة الاقتصادية.
و الواقع أن الاتحاد الإسلامي الدولي للعمل حرص في هذا الاتجاه خاصة على مستوى المؤسسات المالية، على التأكيد على عدد من المبادئ ، منها:
1 . تثمين دور المؤسسات المالية الإسلامية الكبرى في العالم الإسلامي، وفي طليعتها البنك الإسلامي للتنمية، ويتطلّع إلى المضي قدماً في تأسيسها وتوسيع قاعدة عملها: لتشمل المؤسسات المالية الأخرى: وعلى الخصوص مؤسسات الزكاة والأوقاف والحج؛ وأن لا يقتصر مجال عملها ونشاطها على الأقطار الإسلامية: بل أن يتجاوز ذلك إلى حيث تتواجد الجاليات الإسلامية الكبيرة خاصةً.
7 .الرغبة الصادقة و الحرص على كلّ التوفيق والنجاح للتوجه الواعد للحكومات الإسلامية من أجل المضي قدماً نحو بحث سبل التعاون في المجالين المالي والاقتصادي، وتخطيطها وإنشائها للمؤسسات التي يتطلبها ذلك، وصولاً إلى إنشاء سوق اقتصادية ومالية إسلامية مشتركة.
8 . تثمين ثقافة المعاملات الإسلامية، وتوجه الحكومات والهيئات في الدول الإسلامية إلى العمل على تنمية هذه الثقافة وبالأخص:
- على صعيد رجال المال والأعمال، عن طريق تشجيع الندوات الدولية واللقاءات والدورات التدريبية.
- وعلى صعيد التعليم الثانوي والعالي، عن طريق إدخال برامج تكوينية في مجال المؤسسات المالية الإسلامية، خصوصا في الشعب المتخصصة بمجال إدارة الشركات؛
- وعلى الصعيد العام، عن طريق توجيه الثقافة العامة في وسائل الإعلام للتعريف بهذه المؤسسات والتذكير بخصائصها؛
- وعلى صعيد النقابات والاتحادات المهنية، عن طريق إقامة دورات تدريبية وتكوينية، في مجال المؤسسات الاقتصادية الإسلامية، خاصة بالكوادر والقيادات النقابية والمهنية المعنية.
9 . كما أوصى بالعمل على التنسيق والتعاون بين النقابات العمالية والمهنية والمؤسسات والفعاليات الاقتصادية الإسلامية، وفي طليعتها البنك الإسلامي للتنمية: وذلك باتجاه تنفيذ برامج الدعم الاجتماعي والتقني للمقاولات الصغيرة، باعتباره مدخلا أساسيا للتنمية بالاعتماد على الذات، ولمواجهة مشكلة العجز الاجتماعي، وخلق فرص عمل جديدة، وإرساء إمكانات التمويل الذاتي: بتدوير عائد المشروعات الناجحة، واستثمارها في مشروعات جديدة.
10 . كما أوصى بتكوين لجنة تهتم بإعداد فريق مختص بدراسة مشاريع تأسيس المؤسسات الاقتصادية الإسلامية، وبالأخص تأسيس صناديق الحج في الدول الإسلامية: والاستفادة من التجربة الماليزية في هذا الميدان، مع مراعاة خصوصيات كل دولة: والدعوة إلى مناقشة فكرة هذه المشاريع من قبل الهيئات الأعضاء في الاتحاد خاصةً، واستخلاص الأفكار العملية التي من شأنها تدعيمها وفتح الطريق أمام إمكانية تطبيقها.
|
|
|
|
|